عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

432

اللباب في علوم الكتاب

أموالهم وهو الفضل من العيال ، وذلك معنى قوله : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [ البقرة : 219 ] ثم نسخت هذه الآية بالصّدقات المفروضات « 1 » . قوله : وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ، أي : بالمعروف ، وهو كلّ ما يعرفه الشّرع ، وقال عطاء : وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ بلا إله إلا اللّه « وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » يعني أبا جهل وأصحابه ، نسختها آية السّيف ، وقيل : إذا تسفه عليك الجاهل ، فلا تقابله بالسّفه كقوله : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [ الفرقان : 63 ] . قال جعفر الصّادق : ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية . فصل [ في تخصيصهم قوله : « خُذِ الْعَفْوَ » ] اعلم أنّ تخصيصهم قوله : « خُذِ الْعَفْوَ » بما ذكروه من أخذ الفضل تقييد للمطلق من غير دليل ، وأيضا إذا حملناه على أداء الزّكاة ، كالمقادير المخصوصة منافيا لذلك ؛ لأنّ أخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم الأموال ولا يشدد الأمر على المزكي ، فلم يك إيجاب الزّكاة ناسخا لهذه الآية . وأمّا قوله : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ فالمقصود منه أمر الرّسول بأن يصبر على سوء أخلاقهم ، وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة وأفعالهم الخسيسة بأمثالها وليس فيه دلالة على المنع من القتال ؛ لأنّه لا يمتنع أن يؤمر عليه الصّلاة والسّلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر بقتال المشركين فإنّه لا تناقض بأن يقول الشّارع لا تقابل سفاهتهم بمثلها ولكن قاتلهم ، وإذا أمكن الجمع بين الأمرين ؛ فلا حاجة إلى التزام النّسخ . قوله تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ الآية . قال : عبد الرحم بن زيد : لما نزل قوله : « خُذِ الْعَفْوَ » الآية : قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كيف يا رب بالغضب « 2 » ؟ فنزل قوله : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ الآية والنّزغ : أدنى حركة تكون ، قاله الزّجّاج ، ومن الشّيطان أدنى وسوسة وقال عبد الرحمن بن زيد لما نزلت : قوله وأكثر ما يسند للشيطان ؛ لأنه أسرع في ذلك وقيل النّزغ الدخول في أمر لإفساده . وقال الزمخشري « 3 » : والنّزغ والنّسغ : الغرز والنّخس ، وجعل النزغ نازغا كما قيل « جدّ جدّه » يعني : قصد بذلك المبالغة . وقيل : النّزغ : الإزعاج ، وأكثر ما يكون عند الغضب وأصله الانزعاج بالحركة إلى الشّرّ ، وتقريره : أنّ الآمر بالمعروف إذا أمر بما يهيج السفيه ويظهر السّفاهة فعند ذلك

--> ( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 15 / 78 - 79 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 155 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير الزمخشري 2 / 190 .